عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
159
اللباب في علوم الكتاب
للحال من حيث عطفها جملة حاليّة على حال مقدّرة ، وصحّ أن يقال : إنّها للعطف من حيث ذلك العطف ، فالمعنى - واللّه أعلم - : أنها إنكار اتّباع آبائهم في كلّ حال ؛ حتى في الحالة الّتي لا تناسب أن يتبعوهم فيها ، وهي تلبّسهم بعدم العقل والهداية ؛ ولذلك لا يجوز حذف هذه الواو الداخلة على « لو » إذا كانت تنبيها على أنّ ما بعدها لم يكن مناسبا ما قبلها ، وإن كانت الجملة الحاليّة فيها ضمير عائد على ذي الحال ؛ لأنّ مجيئها عارية من هذه الواو مؤذّن بتقييد الجملة السّابقة بهذه الحال ، فهو ينافي استغراق الأحوال ؛ حتى هذه الحال ، فهما معنيان مختلفان ؛ ولذلك ظهر الفرق بين : « أكرم زيدا ، لو جفاك » ، وبين : « أكرم زيدا ، ولو جفاك » . انتهى . وهو كلام حسن . وجواب « لو » محذوف ، تقديره : « لاتّبعوهم » وقدره أبو البقاء « 1 » : « أفكانوا يتّبعونهم ؟ » وهي تفسير معنى لأن « لو » لا تجاب بهمزة الاستفهام ، قال بعضهم : ويقال لهذه الواو أيضا واو التّعجّب دخلت عليها ألف الاستفهام للتوبيخ « 2 » . فصل في بيان « معنى التقليد » قال القرطبيّ « 3 » : التقليد عند العلماء : « حقيقة قبول قول بلا حجّة » ؛ وعلى هذا فمن قبل قول النبيّ صلى اللّه عليه وسلم من غير نظر في معجزته ، يكون مقلّدا ، وأمّا من نظر فيها ، فلا يكون مقلّدا . وقيل : « هو اعتقاد صحّة فتيا من لا يعلم صحّة قوله » ، وهو في اللّغة مأخوذ من قلادة البعير ، تقول العرب : قلّدت البعير ؛ إذا جعلت في عنقه حبلا يقاد به ؛ فكأنّ المقلّد يجعل أمره كلّه لمن يقوده حيث شاء ؛ ولذلك قال شاعرهم : [ البسيط ] 891 - وقلّدوا أمركم للّه درّكم * ثبت الجنان بأمر الحرب مضطلعا « 4 » فصل في المراد بالآية والمعنى : « أيتّبعون آباءهم ، وإن كانوا جهّالا لا يعقلون شيئا » ، لفظه عامّ ، ومعناه الخصوص ؛ لأنهم كانوا لا يعقلون كثيرا من أمور الدنيا ؛ فدلّ هذا على أنهم لا يعقلون شيئا من الدّين ، ولا يهتدون إلى كيفيّة اكتسابه . وقوله « شيئا » فيه وجهان : أحدهما : أنه مفعول به ؛ فيعمّ جميع المعقولات ؛ لأنّها نكرة في سياق النفي ، ولا يجوز أن يكون المراد نفي الوحدة ، فيكون المعنى : لا يعقلون شيئا « بل أشياء من العقل » وقدّم نفي العقل على نفي الهداية ؛ لأنّه يصدر عنه جميع التصرّفات .
--> ( 1 ) ينظر الإملاء لأبي البقاء : 1 / 75 . ( 2 ) ينظر تفسير الفخر الرازي : 5 / 7 . ( 3 ) ينظر تفسير القرطبي : 2 / 142 . ( 4 ) ينظر القرطبي : 2 / 142 .